ابن حزم

210

الاحكام

إنما بعث شارعا ومحللا ومحرما ، وهكذا قال ابن عباس إذ ذكر عنده الضب . فإذا روى العدل لفظة لها حكم زائد لم يروها غيره ، أو رواها غيره ، أو روى العدل عموما فيه حكم زائد ، وروى آخرون لفظة فيها إسقاط ذلك الحكم ، فالفرض أن يؤخذ بالحكم الزائد أبدا ، لأنه شريعة واردة قد تيقنا لزومها لنا ، وأننا مأمورون بها ولم نتيقن نسخها ولا سقوطها ، ولا يجوز ترك يقين لظن . فمن ادعى تلك الشريعة - التي قد صح أمر الله عز وجل لنا بها - قد سقطت عنا ، وأن الحكم قد رجع إلى ما كنا عليه قبل ورود تلك الشريعة ، فهو مفتر على الله عز وجل إلا أن يأتي ببرهان من نص أو إجماع على دعواه ، ولا يحل لمسلم يخاف الله عز وجل - أن يترك يقينا لما لعله ليس كما يظن . قال علي : ونمثل من ذلك مثالا فنقول : روى بعض العدول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن آنية الفضة هكذا مجملا ، وروى بعضهم النهي عن الشرب في آنية الفضة ، فكانت هذه اللفظة يعني - الشرب - ناقصة عن معنى الحديث الآخر الذي فيه إجمال النهي عن آنية الفضة نقصانا عظيما ، ومبيحة لعظائم في عموم ذلك الحديث إيجاب تحريمها من الاكل فيها ، والاغتسال فيها ، والوضوء فيها ، فهذه اللفظة وإن كانت زائدة في الصوت والخط فهي ناقصة من المعنى ، والحديث الآخر وإن كان ناقص اللفظ فهو زائد في الحكم والمعاني ، فهو الذي لا يجب الاخذ به ، لان الحديث المذكور فيه الشرب هو بعض ما في الحديث الآخر . وهذا نحو ما قلنا في الحديثين في زكاة الغنم اللذين ذكر في أحدهما السائمة ولم يذكر في الآخر ، فوجب الاخذ بالعام للسائمة وغيرها لان من أخذ بالحديث العام كان آخذا بالخاص أيضا ، لأنه إذا اجتنب آنية الفضة جملة كان قد اجتنب الشرب في جملة ما اجتنب أيضا ، وإذا زكى الغنم كلها كان زكى السائمة أيضا . فكان آخذا بكلا الامرين ، وغير عاص لشئ من النصين ، وكان من آخذ بالحديث الأخص وحده عاصيا للحديث الآخر ، تاركا له بلا دليل ، إلا التحكم والدعوى بغير علم ، لأنه إذا زكى السائمة وحدها ، فقد ترك زكاة غير السائمة ، وخالف ما أوجبه الحديث الآخر ، وكان إذا اجتنب الشرب في آنية الفضة وحدها كان قد عصى ما في النص الآخر واستباح ما حرم الله تعالى فيه ، وذلك